الشيخ عبد الغني النابلسي

107

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) [ مريم : 90 ] . والحق ما عليه أئمة الإسلام وهو الصواب في نفس الأمر أن عيسى عليه السلام كانت حقيقته الظاهرة قابلة لثلاث اعتبارات بحسب ما ذكر فتارة يكون الحق تعالى فيه ، أي في عيسى عليه السلام متوهما بصيغة اسم مفعول حيث هو من روح اللّه والروح من أمر اللّه كما قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] وبهذا الاعتبار تكون ملكيته وبشريته مستهلكتين في أمر اللّه تعالى النازل بالحقيقة العيسوية وتارة يكون الملك بفتح اللام واحد الملائكة عليهم السلام فيه ، أي في عيسى عليه السلام متوهما بصيغة اسم مفعول لأنه نشأ في فرج أمه مريم عليها السلام بنفخ الملك فيها بأمر اللّه تعالى ، لأن الملائكة عليهم السلام لا يعملون إلا بأمر اللّه تعالى . قال سبحانه : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء 27 ] ولا ينشأ عن الملك إلا ملك كما أنه لا ينشأ عن الإنسان إلا إنسان وعن الطير إلا طير . وهكذا وبهذا الاعتبار تكون الحضرة الأمرية الإلهية والنشأة البشرية غائبتين في الحقيقة الملكية الروحانية منه . وتارة تكون البشرية الإنسانية فيه أي في عيسى عليه السلام متوهمة أيضا بصيغة اسم مفعول ، لأنه نشأ عن صورة البشر السوي الموهومة وعن الصورة البشرية المحققة من أمه مريم عليها السلام ولا ينشأ عن البشر إلا بشر فيكون ، أي عيسى عليه السلام عند كل ناظر إليه كما ذكر بحسب ما يغلب عليه ، أي على ذلك الناظر من اعتبار النشأة العيسوية بحسب الوجوه الثلاث فهو ، أي عيسى عليه السلام كلمة اللّه تعالى وقول اللّه كما قال تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . وقال سبحانه : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) [ مريم : 34 ] باعتبار الوجه الأوّل لكون الحق تعالى فيه متوهما اسم مفعول . وهو أيضا روح اللّه كما قال سبحانه : وَرُوحٌ مِنْهُ باعتبار الوجه الثاني لكون الملك فيه متوهما وهو أيضا عبد اللّه كما قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) [ الزخرف : 59 ] ، وقال تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) [ النساء : 172 ] ، وقال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) [ مريم : 93 ] ، وقال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) [ آل عمران : 59 ] . * * *